أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً

أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ، ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓ
(وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ) [العنكبوت: 69]..
.. سبل الله تعالى لا يتمُّ الوصول إليها إلاّ بمجاهدة النفس، وتفعيل طاقاتها عقلاً وفكراً، والخروج بها من مستنقعات العصبيات النتنة، وهذا من درجات الإحسان، كونه يجعل النفس في صراط الله تعالى، وفي تأييده جلَّ وعلا ورحمته.. وإلاّ.. فستغرق النفس في هواها، وستُؤسَر في قفص ووسوسة الشيطان، وستذهب بعيداً في دياجير الظلام، مُبتعدة عن سبل الله تعالى..

.. وسبل الله تعالى محمولة في كتابه الكريم.. ولذلك.. فتدبّر كتاب الله تعالى لإدراك دلالاته العميقة، يحتاج لتفعيل طاقات النفس عقلاً وفكراً وخلاصاً وإخلاصاً.. وإلاّ فسنتيه في ظلمات القال والقيل من أهواء رجالات الماضي والحاضر..
.. في سياق هذا البحث سنقف عند النصِّ الكريم التالي، مبحرين بمركب العقل والمنطق في أعماق دلالاته، بين شاطئي صياغته اللغويّة وثوابت العلم..
(يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩ أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٞ قَدِيرٞ) [ الشورى: 49 – 50 ]
.. ما نراه في الصياغة اللغويّة لهذا النصِّ الكريم، أنَّ آليّة خلق الإنسان من مرحلة النطفة وكتكاثر وولادة، يُلقى الضوء عليها من زاوية الأسباب التي يُسخِّرها الله تعالى في هذا السبيل، بدليل تعلّقها بالمشيئة التي ترد ثلاث مرّات في هذا النصِّ الكريم..
.. وما نراه في هذا النصِّ الكريم، أنَّ الإناث والذكور هما وهبة من الله تعالى، وأنَّه خصَّ كلاً من الإناث والذكور بهبة مستقلة، حيث تكرَّرت كلمة (يَهَبُ) مرَّتين، مرّة للإناث ومرّة للذكور.. وأنَّه جلَّ وعلا قدّم الإناث على الذكور.. وأنَّه جاء بالإناث بصيغة النكرة وبالذكور بصيغة المعرفة بأل التعريف: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)..
.. ونرى أيضاً أنَّ الآية الثانية تبدأ بكلمة: (أَوۡ) وليس بالحرف (وَ).. ونرى صيغة الزوجيّة (يُزَوِّجُهُمۡ).. ونرى صيغة (ذُكۡرَانًا) وليس صيغة الذكور كما هو في الآية الأولى.. ونرى في صيغة الزوجيّة هذه دمجاً للذكران والإناث في إطار زوجيّة واحدة، بمعنى: ورود كلمة (يُزَوِّجُهُمۡ) مرّة واحدة تُجمع فيها الذكران والإناث معاً (أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا)..
.. وفي مسألة العقم نرى صيغة الجعل (وَيَجۡعَلُ).. ونرى العودة لكلمة (مَن) كما هو في الآية الأولى (وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا)..
.. إدراك دلالات هذا النصِّ الكريم بما يتناسب مع ما يحمله كتاب الله تعالى لعصرنا ، يتطلَّب الوقوف على بعض الحقائق العلميّة في مسألة خلق الإنسان من الحيوان الذكري والبويضة الأنثويّة.. فهذا النصِّ الكريم كما سنرى – إن شاء الله تعالى – تحمل صياغته اللغويّة أبعاداً علميّة لم تُكتشف إلاّ في العصر الحديث..
.. من المعلوم أنَّ الحيوان الذكري ((المُسمَّى خطأ بالنطفة، حيث النطفة في كتاب الله تعالى تعني البويضة الملقَّحة)) يتكوَّن من (23) كروموسوماً، منها (22) لا علاقة لها بتحديد جنس المولود، وكروموسوم واحد هو ما يُحدِّد جنس المولود.. وهنا علينا أن نميِّز بين نوعين من الحيوان الذكري:
1 – حيوان ذكري يحوي (22) كروموسوماً لا علاقة لها بالجنس، وكروموسوماً واحداً يتعلَّق بتحديد جنس الذكورة، وتمت تسميته: (y)..
2 – حيوان ذكري يحوي (22) كرموسوماً لا علاقة لها بالجنس، وكروموسوماً واحداً يتعلَّق بتحديد جنس الأنوثة، وتمت تسميته: (x)..
.. ومن المعلوم أنَّ البويضة تتكوَّن من (23) كروموسوماً أيضاً، منها (22) لا علاقة لها بتحديد جنس المولود، وكروموسوم واحد هو ما يُحدِّد جنس المولود.. وتمت تسميته: (x)..
.. فإن وصل الحيوان الذكري الذي كروموسومه الجنسي (y) إلى البويضة، وتمَّ التلقيح، فسيزاوج مع الكرموسوم الجنسي للبويضة (x) ليكون المولود ذكراً.. حيث كل كروموسوم من الكروموسومات ال (22) للحيوان الذكري يُزاوَج مع الكروموسوم التوأم له من الكروموسومات ال (22) للبويضة.. ويُزاوج الكروموسوم الجنسي (y) المحمول بالحيوان الذكري مع الكروموسوم الجنسي (x) المحمول بالبويضة، ليكون المولود ذكراً، كل خليّة من خلاياه تحمل (44) كروموسوماً لا علاقة لها بالجنس، إضافة للزوج الجنسي (y x)..
.. وإن وصل الحيوان الذكري الذي كروموسومه الجنسي (x) إلى البويضة، وتمَّ التلقيح، فسيزاوج مع الكرموسوم الجنسي للبويضة (x) ليكون المولود أنثى.. حيث كل كروموسوم من الكروموسومات ال (22) للحيوان الذكري يُزاوَج مع الكروموسوم التوأم له من الكروموسومات ال (22) للبويضة.. ويُزاوج الكروموسوم الجنسي (x) المحمول بالحيوان الذكري مع الكروموسوم الجنسي (x) المحمول بالبويضة، ليكون المولود أنثى، كل خليّة من خلاياه تحمل (44) كروموسوماً لا علاقة لها بالجنس، إضافة للزوج الجنسي (x x)..
.. إذاً.. يُورث كروموسوم (x) بالنسبة للذكر من الأم، فيكون بالنسبة للذكر الزوج (y x).. أما بالنسبة للأنثى فإنه يورث من الأم و الأب معاً، فيكون بالنسبة للأنثى الزوج (x x).. بمعنى: الأنثى لا تحمل كروموسوم الذكورة، بينما الرجل يحمل كروموسوم الأنوثة.. ومن هنا كانت الأنوثة المحمولة بالكروموسوم (x) هي السائدة.. كونه في مجموع الرجال (y x) مع النساء (x x) نرى: (3x + y)..
.. إذاً.. الصبغي (y) هو صانع الذكورة، وهو الصبغي المُختلف بماهيّته، وبحجمه  الصغير ((مقارنة مع حجم الصبغي x))، وبما يحمله من نسبة ضئيلة جداً من المادّة الوراثيّة (الجينات)، فعدد الجينات فيه بالنسبة للإنسان لا يتعدى (78) إلى (150) جيناً من أصل عشرات آلاف الجينات التي يمتلكها الإنسان، ومن هنا تنخفض ضرورته (مقارنة مع الكروموسومات الأُخرى) للحياة، كون الجينات التي يتضمّنها لا تدخل في الوظائف الفيسيلوجية الضرورية للجسم..
.. وهو بذلك يختلف عن الكروموسوم (x) الذي يُعتبر من الكروموسومات المتوسطة أو الكبيرة و يحتوي على (1100) جين تقريباً , والجينات التي يتضمّنها كروموسوم (x) هي جينات ضرورية،تساهم في الوظائف الفيسيلوجية الضرورية للجسم.. 


.. إذاً.. الإنسان الطبيعي الذي يهبه الله تعالى لوالديه، يكون إمّا أنثى حيث الزوج الأخير من الكروموسومات هو (x x).. وإمّا يكون ذكراً حيث الزوج الأخير من الكروموسومات هو (y x).. وبالتالي بالنسبة للإنسان بشكل عام (كإناث وذكور) وكوجود في الطبيعة بشكلٍ عام، هناك ثلاث كروموسومات موجودة في الطبيعة، يتعلَّق بها تحديد الجنس: اثنان منها (x) ((واحد يعود لأحد نوعي النطفة، وواحد يعود للبويضة))، وواحد منها (y) يعود لأحد نوعي الحيوان الذكري..
بمعنى آخر.. لو أخذنا خلية جسميّة من إنسان ذكر وخليّة جسميّة من إنسان أنثى، فإنَّ فيهما (46 + 46 = 92) كروموسوماً.. منها كروموسوم واحد (y) وثلاث كروموسومات (x).. والكروموسوم (x) أقرب [[ مقارنة مع الكروموسوم (y) ]] إلى باقي كروموسومات الخلية، أي – نسبيا – إلى طبيعة الحالة السائدة من الكروموسومات، فوصول الحيوان الذكري ذي الطبيعة (x) إلى البويضة حيث فيها كرموسوم (x) أيضاً، يُكوِّن طبيعة أقرب إلى الحالة السائدة، وأبعد عن التميّز بالمخالفة فيما لو وصل الحيوان الذكري (y)..
.. من هنا ندرك عظمة الصياغة القرآنيّة، بتقديم الإناث على الذكور، وبورودها نكرة.. في حال نرى الذكور بصيغة المعرفة وتمّ تأخيرها: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)..
 .. فالحالة المميَّزة كثيراً بمخالفتها النسبية لطبيعة باقي الكروموسومات [[ مقارنة مع الكروموسوم (x) ]] هو الكروموسوم (y)، أي حالة ولادة الذكر.. هذه الحالة المميَّزة بمخالفتها للسائد [[ مقارنة مع الكرموسوم (x) ]] تنتج حالة مميَّزة مُعرَّفة بابتعادها عن السائد، مقارنة مع الخيار الآخر.. وهذا التمايز والمخالفة النسبيّة بالابتعاد عن الحالة السائدة، والذي يُنتج أحد زوجي الحياة الإنسانيّة كضرورة لاستمرار الحياة، تناسبه صيغة التعريف (ٱلذُّكُورَ)، كحالة مُميَّزة مُخالفة (نسبيّاً) لطبيعة الحالة السائدة كما رأينا.. ويناسبه في الوقت ذاته التأخير عن الحالة الأقرب للسائد.. من هنا نرى عظمة الصياغة القرآنيّة: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)..
.. وفي كتاب الله تعالى وبالنظر إلى مشتقّات الجذر (و، هـ، ب) نرى أنَّ الهبة هي: العَطِيَّة الخالية عن الأَعْواضِ والأَغْراض، وهذا يكون حينما يهب الله تعالى الإناث وكذلك الذكور للوالدين.. من هنا نرى دلالات كلمة (يَهَبُ) التي تتكرَّر مرتين، مرَّة للإناث (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا)، ومرّة للذكور (وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)..
.. ولمّا كانت آليّة نمو البويضة الملقَّحة بالنطفة [ التي فيها الكروموسوم (x) ]، تسير بحيثيّات مستقلّة ومختلفة – من حيث طبيعة الخليّة الأولى – عن آليّة نمو البويضة الملقّحة بالنطفة [ التي فيها الكروموسوم (y) ]، ولمّا كانت النتيجة ما بين هاتين الحالتين، مختلفة تماماً ما بين أُنثى وذكر، لذلك نرى تكرار صيغتي كلٍّ من الهبة والمشيئة ما بين هذين السبيلين المتمايزين.. بمعنى: تكرار كلمة (يَهَبُ) ما بين حالتي الأنوثة والذكورة، وكذلك كلمة (يَشَآءُ).. (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)
.. والضمائر في هذا النصِّ الكريم نراها تتعلَّق بالوالدين، وليس بالمولود، فما يهبه الله تعالى هو للوالدين.. وكلمة: (لِمَن) التي تتكرَّر مرتين كما نرى، واضحة في ذلك بشكلٍ جليٍّ، حيث تتعلَّق بالوالدين.. فما يهبه الله تعالى من إناث وذكور هو للوالدين: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)..
.. هذا هو ما يهبه الله تعالى للوالدين، أنثى، أو ذكر، وهذا ما يتحدَّد كجنس للمولود فور التلقيح كما رأينا طبيّاً، وهذا ما أخبر الله تعالى عته في كتابه الكريم قبل أكثر من أربعة عشر قرناً.. يقول تعالى:
(وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥ مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ) [ النجم: 45 – 46 ]
.. فالآية الكريمة: (مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ)، تعني حين تمنى، بمعنى حين اجتماع الحيوان الذكري مع البويضة الأنثويّة لتكوين النطفة.. فخلق الذكورة والأنوثة (خَلَقَ)، يكون في لحظة التلقيح..
.. وبعد تشكيل النطفة، والتي تتكوَّن كما رأينا من (46) كروموسوم، تبدأ الخليّة الأولى بالتكاثر كما هو معلوم علمياً، للوصول في النهاية إلى أنثى، أو إلى ذكر..
.. ولكن.. الأعضاء التناسلية للذكر وللأنثى تبدأ في التمايز في مرحلة من مراحل نمو الجنين، وهي مرحلة لاحقة على التلقيح بالتأكيد، وقد بيّن القرآن الكريم ذلك قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، بصيغة الجعل (فَجَعَلَ).. فمن المعلوم في كتاب الله تعالى أنَّ الجعل مرحلة لاحقة على الخلق.. يقول تعالى:
(أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةً مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ ٣٧ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨ فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ) [ القيامة: 37 – 39 ]
.. لكن.. هذا النمو الطبيعي للجنين حيث تتمايز أعضاؤه الجنسية في مرحلة ما، له مقابل مضاد له لا يجتمع معه، وهو وجود جينات (محمولة بالكروموسومات) مشوهة غير قادرة على التمايز الطبيعي للأعضاء الجنسيّة للجنين، أو وجود خلل هرموني نتيجة حمل الأم وما تتناوله من غذاء ودواء، فتحدث عيوب في سير مرحلة تمايز الأعضاء الجنسيّة للجنين، فتختلط الذكورة بالأنوثة، وتكون هناك حالات (نادرة) يُجمع فيها جهازا الذكورة والأنوثة معاً، كوجود مبيض وخصية في ذات المولود، وكوجود أعضاء تناسلية ظاهرة لكلا الجنسين، فيكون هناك اختلاط لدى المولود – الذي يمثل هذه الحالة – ما بين الأعضاء التناسلية الذكرية والأنثوية..
.. هذه الحالة المُضادّة للحالتين في الآية السابقة، والناتجة عن هذا الخلل، والتي تُنتج مولوداً تتداخل فيه الذكورة والأنوثة، نراها مُصوَّرة بقوله تعالى: (أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا)..
.. وهنا نرى أنَّ الضمير (هم) في كلمة (يُزَوِّجُهُمۡ)، نقل السياق من التعلّق بالوالدين في العبارات السابقة، إلى المولود في هذه العبارة القرآنيّة (أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا).. فما نراه هو غياب الصيغة (يَهَبُ لِمَن) والمتعلِّقة بالوالدين كما رأينا، ونرى تعلّق الذكران والإناث بذات المزاوجة، بمعنى: عطفهما على مزاوجة واحدة.. وبالتالي.. فالمزاوجة هي بينهما، كصفتين متقابلتين، ومذكورتين في السياق السابق.. فالكلمتان (ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا) هما في محل نصب حال، للمزاوجة ما بين الذكورة والأنوثة في ذات شخص المولود، سواء كانت الكروموسومات له ذكريّة أم أنثويّة..
.. الذكورة والأنوثة المذكورة في السياق السابق (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)، حيث الخطاب كما رأينا يتعلَّق بما يهبه اللهُ تعالى للوالدين من إناث وذكور، تمَّ الانتقال إليها.. ولذلك نرى الصيغة (يُزَوِّجُهُمۡ) مختلفة عن صيغة السياق السابق… بمعنى: كمواليد، يناظرهم كأزواج تجتمع فيها الذكورة والأنوثة في ذات الشخص.. ومن هنا نرى الكلمتين (ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا) في محل نصب حال لكينونة مزاوجة الذكورة والأنوثة في ذات المولود..
.. فليس من المنطق ربط الضمير في كلمة (يُزَوِّجُهُمۡ) بالوالدين، وذلك بمعنى: يهب للوالدين إناثاً وذكوراً في الوقت ذاته، كما ذهبت تفاسيرنا الموروثة.. هذا ليس من المنطق إطلاقاً.. فما يهبه الله تعالى من أولاد (ذكوراً كانوا أم إناثاً) للوالدين، ليس مزاوجة للوالدين.. وحتى في التفسير الموروث ذاته يُعيدون – في الشرح – المزاوجة للأولاد وليس للوالدين، وقولهم في شرح هذه العبارة القرآنيّة: يهب الله تعالى الوالدين ذكوراً وإناثاً، يعني أنَّهم يُعيدون المزاوجة إلى الأولاد وليس إلى الوالدين..
.. ودلالة كلمة (أَوۡ) واضحة في هذا النصِّ الكريم، وتؤكِّد هذا المعنى.. فهذه الحالة، هي المقابل والبديل للحالة الطبيعيّة المُصوَّرة في الآية السابقة (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)، والمزاوجة المعنيّة والتي هي بديل الحالتين المذكورتين في العبارتين السابقتين، هي بينهما، كصفات ذكريّة وأنثويّة في ذات شخص المولود……. واختيار كلمة (ذُكۡرَانًا) دون كلمة (ذكور) يُؤكِّد ذلك..
.. كلمة ذكران على وزن (فعلان)، تفيد تفاعل مسألة الذكورة كذكورة في سياقها غير الطبيعي، وهذا ما يكون في تفاعل الصفات الذكريّة مع الأنثويّة في ذات شخص مولود هذه الحالة غير الطبيعيّة.. وقد وردت هذه الكلمة على وزن (فعلان) مرّة أخرى فقط في كتاب الله تعالى لتصوِّر تفاعل الذكورة في سياقها الشاذ غير الطبيعي:
(أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦٥ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ) [ الشعراء: 165 – 166 ]
.. وبما أنَّ الصفات الذكريّة المتعلّقة بالكروموسوم (y) مُخالفة للصفات السائدة [[ مقارنة مع الكروموسوم (x) ]] كما رأينا.. وبما أنَّ هذه الحالة غير طبيعيّة حيث تختلط فيها الصفات الذكريّة مع الأنثويّة.. لذلك.. نرى تقديم كلمة (وَإِنَٰثًا) على كلمة (ذُكۡرَانًا).. ونرى ورودها بصيغة النكرة، كون الذكورة مختلطة بالأنوثة وليست مستقلّة..
.. بعد العبارة القرآنيّة (أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا)، حيث الضمير كما نرى يعود للمولود، يعود السياق القرآني إلى الصيغة: (وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا)، وهي صيغة مشابهة للصيغة في العبارات التي رأيناها في الآية السابقة: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ).. ولكن بالفعل (وَيَجۡعَلُ) وليس بالفعل (يَهَبُ)..
.. وهنا جَعْل الإنسان عقيماً، يتناول الزوجين الرجل والمرأة، ويتناول الجنين أيضاً، فاحتمالات العقم واردة في كلِّ المراحل، ابتداء من تكوّن النطفة حتى على كامل مراحل حياة الإنسان بعد ولادته.. ولذلك نرى صيغة الجعل (وَيَجۡعَلُ) دون غيرها، لتشمل الحالات اللاحقة على خلق الجنين..
.. ونرى أيضاً الحكمة في توسّط العبارة: (أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا) بوقوعها خلف قوله تعالى: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)، وقبل قوله تعالى: (وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا)..
.. ففي حين تعلَّق الضمير في العبارات الأولى بالوالدين: (يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ)، نرى أنَّ تعلَّق الضمير بالمولود في العبارات التالية لها مباشرة: (أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانًا وَإِنَٰثًا) وبورود كلمة (أَوۡ)، يفيد كون تلك الحالة – كما رأينا – بديلاً لما يهبه الله تعالى للوالدين.. وبعد ذلك يعود الضمير في العبارات الأخيرة من النصِّ الكريم: (وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًا) ليتعلَّق بكلَّ حالات العقم، سواء كان العقيم عقيماً في مرحلة الجنين، أم في مرحلة ما بعد ولادته وعلى كامل حياته..

مشاركه فى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.